عبد الملك الجويني

274

الشامل في أصول الدين

الحق ؛ إذا نفوا كون الثقل معنى . وقد وضح من مذاهبهم أن الاعتماد الذي يثبته من يثبته لو قدر ثبوته لما اقتضى هويا ولا تصعدا . وإنما يهوي الثقيل إذا خلق اللّه فيه أكوانا تخصصه بجهة السفل ، ولو خلق فيه أكوانا تخصصه بجهة أخرى لاختص بتلك الجهة . وإنما يقوي الاعتماد في أوهام المعتزلة من حيث قدروا الهوى والتصعد منه . وأوضح الأستاذ ذلك بأن قال : الجهات تختلف كالنسب فتكون الجهة التي تعد يمنة بالإضافة إلى موقفات تعد يسرة ، إذا تبدل الموقف . وكذلك القول في فوق وتحت . فإنا إذا قدرنا الأرض كرّية ، وقد يميل الأستاذ إليه ، فلا يمنع أن تكون أقدام أهل الصين إلى أقدامنا ، وفوقهم تحت لنا ، وما تحت لنا فوق لهم . فدل أن الجهات تختلف بالنسب . فإذا ثبت ذلك ، وضح نفي الاعتماد ، ودل أن الأكوان هي التي تخصص الجواهر بأحيازها . ومن قال : الاعتماد معنى ، وهو الذي ارتضاه القاضي ، استدل بأن قال : من اعتمد على الشيء الحساس ، أدرك الحساس اعتماده ، كما يدرك حرارته وبرودته . فلو جاز نفي الاعتماد ، جاز التسبب إلى نفي الأعراض . وهذا يطرق وجوه الفساد إلى طرق الحجاج في إثبات الأعراض . ثم إذا ثبت أن الاعتماد معنى فتتصور منه ستة من الاعتمادات على حسب تعدد الجهات . واختلف أئمتنا في تضاد الاعتمادات في الجهات . فصار صائرون إلى أن الاعتمادين يتضادان ، كما يتضاد الذهاب في الجهتين فيمتنع أن يكون في الشيء اعتماد من جهة العلو ، واعتماد من جهة السفل . والذي ارتضاه القاضي منع تضاد الاعتمادات . واختلف الجبائي وابنه في تضاد الاعتمادات . وسبيلنا أن نذكر جملة ما يتعلق بمذهبنا ، ثم ننعطف على ذكر اختلاف المعتزلة ، ونوضح تناقضهم ، ونؤثر الصحيح من الأقوال . فإذا حكمنا بتضاد الاعتمادات ، فلا يثبت في الجوهر الواحد إلا اعتماد واحد في جهة واحدة ، وإن لم نحكم بتضاد الاعتمادات ، فيقوم بالجوهر الواحد ستة من الاعتمادات على حسب تعدد الجهات . ثم ليس للاعتماد على هذه الطريقة ضد ينفيه ، إذ الاعتمادات في أنفسها لا تتضاد على هذه الطريقة ، وليس لها ضد من غير قبيلها يقتضي نفيها . وكل عرض يقبله الجوهر ولا ضد له ، فلا يخلو عندنا منه ، كما لا يخلو عن العرض الذي له ضد وضده . ولهذا منعنا خلو الجوهر عن البقاء ، وإن لم يكن له ضد ، كما منعنا من خلوه عن الألوان والأكوان المتضادة . فلزم من ذلك وصف الجوهر بالاعتمادات وإحالة خلوه عنها ، إذ لو خلا عن اعتماد في جهة ، لوجب أن يقبل ضده ، وإن لم يكن له ضد ، وجب أن لا يعري عنه .